جلال الدين السيوطي

4

معترك الاقران في اعجاز القرآن

أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ؛ وكالملاحة . وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت ؛ ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما . وقال الأصبهاني في تفسيره « 1 » : اعلم أن إعجاز القرآن ذكر من وجهين : أحدهما إعجاز يتعلق بنفسه . والثاني بصرف الناس عن معارضته ؛ فالأول إما أن يتعلق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه . أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى ، فإن ألفاظه ألفاظهم ؛ قال تعالى « 2 » : « قُرْآناً عَرَبِيًّا » . « « 3 » بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ » . ولا بمعانيه ؛ فإن كثيرا منها موجود في الكتب المتقدمة ؛ قال تعالى « 4 » : « وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ » . وما هو في القرآن من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد ، والإخبار بالغيب ؛ فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن ؛ بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلم ، ولكون الإخبار بالغيب إخبارا بالمغيب سواء كان بهذا النظم أو بغيره موردا « 5 » بالعربية أو بلغة أخرى ، بعبارة أو إشارة ؛ فإذا فالنظم المخصوص صورة القرآن ، واللفظ والمعنى عنصره ؛ وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره ، كالقرط والخاتم والسوار ، فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها ، لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة والحديد ؛ فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى خاتما ، وإن كان العنصر مختلفا . وإن اتخذ خاتم وقرط وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها وإن كان العنصر واحدا . قال : فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المخصوص .

--> ( 1 ) الإتقان : 4 - 10 . ( 2 ) يوسف : 2 . ( 3 ) الشعراء : 195 . ( 4 ) الشعراء 196 . ( 5 ) في الإتقان : مؤدى .